ملح على الزعتر.. بقلم الاديب، د. محمد الحسيني

ملح على الزعتر — 2
"هيدا زعتر؟!... هيدا نخالة وصبغة!"

رفع أبو خالد رأسه عن العربة.

ــ بخمسين ألف بس.

ــ مش لازم تغيّر السعر يا أبو خالد؟

ــ ليش؟ شو اللي تغيّر من مبارح يا حاجة؟

ــ لأ، مش لازم بخمسين ألف، وتكون معبّاية زعتر منيح. اليوم شفتك بعيني عم تحطّ بروس أصابعك.

ــ يا حاجة، هيدي نفس الكمية اللي بحطّا بكل كعكة.

ــ خلص، ولا كلمة زيادة. بتلاتين ألف، أو بلا كعكة اليوم.

ابتسم أبو خالد.

مدّ يده بالكعكة:

ــ ولو يا أم علي... أنا بدي آخد منك مصاري؟ أنا والعرباية وكل يلي فيها عَ حسابك.

أخذت الكعكة.

بيدٍ أمسكتها.

وبالأخرى، أخرجت من جيب فستانها القديم قطعة قماش صغيرة، ملفوفة بعناية.

فكّتها ببطء.

أخرجت رزمة من فئة الخمسة آلاف، معدودة منذ الليلة الماضية.

عدّت منها.

أعادت عدّها.

ثم أنقصت ورقة.

ونظرت إلى أبي خالد.

ــ هيك.

هزّ رأسه.

ــ يسلمو، حِجّة.

جلست على كرسيها المعتاد.

قضمت الكعكة ببطء.

راقبت الصبية يركضون على الرصيف.

كأنها كلما وصلت إلى حبة سمسم، توقفت عندها لحظة، لتحاسبها أيضًا.

وذات ظهيرة، ارتفع صوتها من الطرف الآخر للكورنيش.

كانت تقف بجانب عربة بائع الترمس، تمسك كيسًا صغيرًا.

ــ هلق بدك تقنعني إنو هيدا ترمس؟! هاد حصى ناشف من جوّا! مو ناضج أبداً! خسارة فيه ثلاثمية ألف!

ــ خدي أو سيبي يا حاجة. كل الناس عم تاخد وما حدا عم يشتكي. يعني ما حدا بيعرف طعمة تمّه غير إنتِ؟

ــ ليك كيف عم يحكيني؟! هلق بدي حقي! دفعت حق ترمس ما بيتاكل!

تجمّع بعض المارة.

ارتفعت الأصوات.

والبائع لم يتحرك.

كررت أم علي كلامها، لكن صوتها هذه المرة لم يعد غضبًا كاملًا.

كان يرتجف.

أقرب إلى البكاء.

ــ ليش الاستغلال؟ كل شي صرتوا تبيعونا ياه غش... ليش؟ لأنو مهجّرين؟!

وصل صوتها إلى أبي خالد.

ترك عربايته.

ومشى.

خطواته كانت أسرع من صوته.

ــ شو هالحكي يا أبو رامز؟

ــ الحاجة عم تقلّك الترمس ناشف. جرّبه إنت.

أخذ أبو خالد حبّة.

قضمها.

مضغها ببطء.

نظر إلى البائع.

ثم إلى الكيس.

ــ صحيح.

سكت لحظة.

ــ ناشف.

فتح البائع فمه.

لكن أبو خالد سبقه:

ــ بدّللها الكيس.

تردد الرجل.

ــ أبو خالد، كل الناس...

رفع أبو خالد عينيه إليه.

لم يقل شيئًا.

وضع البائع الكيس جانبًا.

وأخرج آخر.

أعطاه لأم علي.

أخذته.

لم تقل شكرًا.

عادت إلى كرسيها.

وضعت الكيس الجديد بجانبها.

وجلست.

ظلّت تنظر إلى يديها.

مرّت دقائق.

ثم قالت، من دون أن تنظر إليه:

ــ ليش تعبت حالك؟

كان أبو خالد يرتب أكياسه.

ــ ما تعبت.

ــ أنا ما طلبت منك تتدخل.

رفع كيس الزعتر.

هزّه قليلًا.

ــ بكرا بدّك تعمليلي محاضرة جديدة فيه؟

نظرت إليه.

وللمرة الأولى منذ الظهيرة، ابتسمت.

ابتسامة صغيرة.

كأنها جاءت متأخرة عن الكلام.

في اليوم التالي، وقفت أمام عربة الكعك كعادتها.

نظرت إلى إحداها.

ثم إلى أبي خالد.

ــ اليوم لازم بعشرين ألف.

ــ ليش؟

ــ لأنّها ناشفة.

ــ مبارح كانت طريّة.

ــ مبارح غير اليوم.

ناولها الكعكة.

جلست على كرسيها.

وأخرجت قطعة القماش من جيبها.

فتحتها.

عدّت النقود.

هذه المرة...

لم تُنقص منها شيئًا.

رفعت رأسها.

ــ بكرا بجيبلك زعتر بيتي.

ظلّ أبو خالد ساكتًا.

ــ من الشوال يلي طلّعناه من هونين قبل ما نطلع.

وضعت النقود على طرف العربة.

ثم أغلقت قطعة القماش.

ونظرت إلى البحر.

طويلًا.

ثم نهضت.

وظلّت هونين... في طرف العربة.

✍️ محمد الحسيني ــ لبنان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

غصة الروح: بقلم الشاعر، د. براي محمد