أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب
" أنين الجذور "
بكتْ أمُّنا الكبرى على جيلِها الأوّلِ
وناحتْ على الأحلامِ في مقعدِ المقتَلِ
رأتْ أرضَها كانتْ جنانًا مُزهَّرةً
فصارتْ رمادَ الحقدِ والجهلِ والجدَلِ
بكتْ حينَ رأتْ أبناءَها في تفرُّقٍ
كأغصانِ غابٍ قُطِعتْ قبلَ أن تكتملَ
تُنادِي: أَما في القلبِ دفءُ مودَّةٍ؟
أَما في العروقِ نبضُ ماضٍ من الأوَّلِ؟
تُنادِي وقد جفَّتْ ينابيعُ صدرِها
وأدمعُها تَروي الرِّمالَ في المقتَلِ
تُنادِي: إلى مَ الغدرُ؟ يا قومُ إلى مَ ذا
تُباعُ الدماءُ في أسواقِ مُبتذَلٍ؟
أُراقبُ أُفولَ النجمِ في كلِّ مَشرِقٍ
وأبكي لِما ضيَّعتمُ من يدِ الأملِ
أنا الأمُّ إن أبصرتُموني صامِتًا
فصمتي أنينٌ لا يُقالُ ولا يُحتملُ
رَضعتُم في الكِبرِ السّمومَ وإنّما
رضاعي لكمْ كانَ الحنانَ بلا عِلَلِ
زرعتُ لكمُ نورَ السَّماءِ من خافقي
فجَزأتمُ النورَ المُقدَّسَ بالعَجَلِ
كفاكمْ خصامًا، إنّ حربَكمُ دَمي
وصرخاتُكمُ نَصلٌ يُقطّعُ في محفلِ
إذا ما اتّحدتمْ لحظةً في محبّةٍ
تُعيدونَ لي عُمري وتُزهِرُ فيَّ السُّبُلِ
وإنْ عدتُمُ أشتاتَ ضَغنٍ وغَدرٍ
فويلٌ لأحلامي ووَيلٌ لكلِّ مُتخيلِ
تعبتُ، وقلبي كالجِبالِ صَبَرتُها
ولكنّ صبري في المَدى شاخَ مُثقلِ
أريدُ لكمْ عِزًّا، أريدُ كرامةً
فكونوا كما كُنتُمْ، واثبتوا على الأمَلِ
أنا الشجرةُ الكبرى، ودموعي عيونُكمْ
فلا تَترُكوا أغصانَكمْ تَبكي وتَعتزِلَ
فإنْ متُّ يا أولادي اشتاقَ ظلِّي لكمْ
وضاعَ الذي كانَ السَّقاءَ من الجَمَلِ
أحبُّكمُ رغمَ الطعونِ، فإنّني
أنا الأمُّ مهما مالَ فرعي عن المُكملِ
إلهي، إذا ضاعتْ خُطانا بوَحلِها
فَرُدَّ القُلوبَ إلى طريقٍ من العَمَلِ
وَأَلِّفْ قُلوبَ العُرْبِ بعدَ تفرُّقٍ
وأَسقِ الحِمى غيثَ السَّلامِ من الزَّلَلِ
وأَحيِ المَدى فيهمْ كرامةَ أمَّةٍ
تُجَسِّدُ في أبنائِها نُبلَ الأوائلِ
وإنْ خانَنا دهرٌ، فعَونُكَ رَحمةٌ
تُعيدُ الرُّبا خضراءَ بعدَ الأسى الذُّبُلِ
فباسمِكَ يا ربَّ السَّماءِ توحَّدتْ
دموعي، ودعواتي، وصبري على الأملِ.
____________________
قلمي: مصطفى رجب،
مصر — القاهرة
تعليقات
إرسال تعليق