أمي وعزف الناي، بقلم الشاعر، د. محمد جابر المبارك

أُمِّي وَعَزْفُ النَّاي/ محمد جابر المبارك
لَا تَعْزِفِ النَّايَ حَتَّى لَا أَعُودَ إِلَى ذِكْرَى
الْوَدَاعِ يَوْمَ الْفِرَاقِ.
شَمْلٌ تَشَتَّتَ فِي لَيْلٍ
حَزِينٍ، وَدَمْعٌ جَرِيحٌ،
وَقَلْبٌ كَسِيرٌ يَئِنُّ كُلَّ حِينٍ.
ذَكَّرْتَنِي يَا نَايُ بِأَعَزِّ الْخَلْقِ قَاطِبَةً،
صَدْرٌ حَنُونٌ، وَقَلْبٌ يَفُوحُ نَدًى،
وَكَفٌّ إِلَى السَّمَاءِ،
يُرَدِّدُ إِذْ يَقُولُ:
يَا أَيُّهَا الرَّبُّ الرَّؤُوفُ،
احْفَظْهُ، وَاجْعَلْ دَرْبَهُ دَوْمًا مُنِيرًا.
أُمِّي... أُمِّي،
الَّتِي تَدْعُو بِصِدْقٍ فِي السَّحَرِ،
وَفِي مَغْرِبِ الشَّمْسِ الْأَصِيلِ تَبْتَهِلُ.
ظِلِّي الَّذِي يَمْشِي مَعِي،
فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ مَعِي،
فِي كُلِّ مَكَانٍ، إِذَا جَلَسْتُ أَقَامَ،
وَإِذَا سِرْتُ نَهَضَ.
وَاللَّهِ لَا أَنْسَى الرَّحِيلَ،
وَلَا يَوْمَ الْوَجَعِ،
إِذْ لَوَّحَتْ لِي بِالسَّلَامِ
عِنْدَمَا عَجَزَ اللِّسَانُ.
كَمْ أَبْكِي فِي عُمْرِي
عَلَى يَوْمِ الرَّحِيلِ،
فِي خُلْسَةٍ، فِي جَلْسَةٍ
بَيْنَ الْأَخِلَّةِ وَالْأَهْلِ،
فِي دَارِنَا الْأُولَى،
فِي حَيِّنَا الْمَعْرُوفِ
بِالْحُبِّ وَالْبَسَاطَةِ،
وَالْمُزْدَانِ دَوْمًا بِالنَّخِيلِ.
ذَكَّرْتَنِي... أَبْكَيْتَنِي...
شَتَّتَّنِي يَا نَايُ
فِي ذِكْرَى الْوَدَاعِ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

غصة الروح: بقلم الشاعر، د. براي محمد