صوت الوحدة في زمن التشابه، بقلم الشاعر ، أ. طواهري أمحمد
*صوت الوحدة في زمن التشابه*
كانت الحياة بسيطة والناس تعيش في نقص ممتع ولذيذ يشعرهم بالاكتفاء ، محتاجة لكن نفوسنهم ممتلاء بالرضا وروح القناعة مفعما بالأمل و حرارة الشغف كانت الابتسامة حاضرة خطوط مرسومة في ملامح الوجوه منتشرة مثل خيوط ضوء الشمس في كل مكان، كانت عقولهم خفيفة من هموم الاثقال حيث تسمو كالطيور تهوى ما تحب وتعشق التغريد، تنام على حكاية او حدوثة و تصحو على يوم على أمل سعيد وجديد.
تعيش في بيئات مختلفة تُنشئ شخصيات فريدة كأزهار متنوعة في حديقة بستان الحياة. كل قرية أو قبيلة لها نكهتها، وكل مجتمع له عاداته، وكل فرد له رؤيته الخاصة للحياة. لكن اليوم، اجتمعت ملايين الأذهان في عالم افتراضي واحد، تتحكم فيه خوارزميات ذكية تعرض للناس ما يروق لهم، وتزرع في نفوس الآخرون لكي يتحولون مثلهم في السلوك و الطباع.
مع مرور الوقت، وجد الإنسان نفسه محاطًا بنفس الأفكار، نفس الصور، نفس الاهتمامات، حتى ظن أن ما يراه هو الواقع بأكمله. التشابه لم يعد مقصورًا على المظهر أو الذوق، بل امتد إلى الأحلام والطموحات كسرطان ينتشر في جسد المجتمع ويتسلال داخل النفوس ويعبث داخل بيوتنا و بحدود الأوطان.
باتت أعداد كبيرة من الناس تسعى إلى نوع من الأهداف نفسها، تستخدم العبارات نفسها، تكرر النصائح نفسها، وكأن هناك قالبًا غير مرئي يُعاد إنتاجه يوميًا على نطاق عالمي.
الترندات لا تعرض المحتوى فقط، بل تصنع معايير القبول والنجاح والجمال والشهرة. ومن يخالف هذه المعايير قد يشعر بأنه غريب أو متأخر أو غير مواكب للعصر، كمن يحاول السباحة ضد التيار.
قاوم ما تكره سوف تصل إلى ما تحب حتى لو وصلت ممزقا ومتعب فإن لذة الوصول سترمم روحك وكل حياتك، المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامنا لها. التكنولوجيا أداة رائعة للتعلم والتواصل والإبداع، لكنها قد تتحول إلى مرآة ضخمة تعكس الصورة نفسها ملايين المرات إذا فقد الإنسان قدرته على التفكير بذاته يصبح دمية في يد الآخرين.
ضمير العالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة، بل يحتاج إلى عقول تمتلك الشجاعة لتفكر بطريقتها، وإلى أشخاص يحافظون على أصواتهم الخاصة وسط الضجيج الرقمي الهائل. لا تهتم بالتلقين فهو يقتصر على الحفظ والتكرار، اهتم بتعلم واكتساب الفهم والإدراك. لم تخلق لكي تعيش نسخة شخص آخر لا تتنازل عن ما يميزك عن الآخرين ، حين تفقد روح تمحيص و الشك تسائلات تصبح واحد من القطيع.
التنوع الفكري ليس مجرد ترف، بل هو ضرورة لبقاء الإبداع والتجديد والتقدم. السؤال الأهم في عصر الحرية الرقمية ليس: هل نحن نمتلك حرية التعبير حقا ؟ بل: هل ما زلنا نمتلك روح الشجاعة لنكون احرار من القيود حيث نكون مختلفين على العبيد ؟ احرار فما نحب ونكره ولدين القدرة على قول لا للباطل ولا العبودية المخبأ تحت بعض اللغة والمسميات ، لا تبحث عن تلميع صورتك هنا وهناك، بل ابحث عن نفسك وسط هذا لفوضة والضجيج الكثير.
بقلم الأديب طواهري امحمد.
تعليقات
إرسال تعليق