حين تغني الثمالة: بقلم الشاعرة، د. فاطمة يشوتي
حِينَ تُغَنِّي الثُّمَالَة
حِينَ تَهْمِسُ بِصَوْتِهَا الطَّرُوبِ
يَتَمَدَّدُ اللَّيْلُ وَيَطُول
وَالْقَلْبُ يَسْتَمِدُّ الصَّبْرَ مِنْ جَدِيد...
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَنْجَرَةٍ
بَلْ مَدْرَسَةٌ نَقِفُ عَلَى بَابِهَا تَلَامِيذ
نَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَبْكِي الرِّجَالُ بِلَا خَجَل
وَكَيْفَ يَغْدُو الْوَجَعُ لَحْنًا سَعِيد...
وَحْدَهَا مَنْ جَعَلَتِ السُّكُونَ
بَيْنَ مَقْطَعٍ وَمَقْطَعٍ تَغْرِيد
فَصَارَ الصَّمْتُ أَبْلَغَ مِنَ النَّشِيد...
حِينَ قَالَتْ: "فَاتَ الْمِيعَاد"
صَدَّقْنَا أَنَّ كُلَّ مَوَاعِيدِهَا بَادَتْ
إِلَّا مَوْعِدَهَا مَعَنَا
فَهُوَ خَالِدٌ مَجِيد...
وَحِينَ غَنَتِ "الْأَطْلَال"
فَتَحَتِ الْبُيُوتُ الْعَتِيقَةُ نَوَافِذَهَا
وَالذِّكْرَيَاتُ الرَّاقِدَةُ أَفَاقَتْ
وَعَادَتْ لِوَعْيِهَا تَسْأَلُ:
لِمَ الْجَفَا وَالْبُعْدُ الشَّدِيد؟...
عَلَّمَتْنَا أَنَّ الْحُبَّ لَيْسَ لَحْظَةً عَابِرَةً
الْحُبُّ جُمْلَةٌ طَوِيلَةٌ
نُعِيدُ قِرَاءَتَهَا كُلَّ مَرَّةٍ
لِنَكْتَشِفَ مَعْنَاهُ الْفَرِيد...
وَحِينَ تَضِيقُ الدُّنْيَا
"بَعِيد عَنْكِ" تَفْتَحُ لَنَا بَابَ الْأَمَلِ
وَتَقُولُ لَنَا: "أَنْتَ عُمْرِي"
سَاكِنٌ فِي الْوَرِيد...
مَعَ كُلِّ نَفَسٍ طَوِيل
وَآهٍ تَشْفِي الْغَلِيل
حُضُورُهَا سَكِينَةٌ تُحْيِي الْجَسَد
وَتُزِيلُ عَنِ الْقَلْبِ التَّعَبَ الْعَنِيد...
كَأَنَّهَا الْوَطَنُ الَّذِي لَا يَضِيقُ بِأَهْلِهِ
وَكَأَنَّنَا فِي حُضْنِهَا أَطْفَالٌ بِلَا قُيُود
نَجِدُ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ
وَنَنْسَى الْبُعْدَ وَالْوَعِيد...
فَإِذَا مَضَى الْعُمْرُ وَفَنِينَا
يَبْقَى صَدَاهَا فِي الْمَسَامِعِ شَدْوًا
وَنُورٌ يَهْدِي مَنْ أَضَاعُوا الطَّرِيق
حُبٌّ يَعِيشُ بَعْدَنَا، لَا يَمُوتُ وَلَا يَبِيدِ...
فَكَمْ شَفَتْ مِنْ جُرْحٍ
وَكَمْ جَبَرَتْ كَسِيرِ
وَكَمْ عَلَّمَتْنَا أَنَّ "الصَّبْرَ جَمِيلِ"
رَحِمَ اللَّهُ صَوْتًا أَحْيَا الْقُلُوبِ
وَجَعَلَ لَهَا فِي الْخُلْدِ مَقَامًا حَمِيد...
-------------
فاطمة يشوتي
بني ملال-المغرب
تعليقات
إرسال تعليق