من الغربة الى الوطن، بقلم الاديبة، د. ميسر شقير

 من الغربة إلى الوطن
تجلس هناك، تحتضن وسادتها بصمت مطبق... وتنساب من عينيها دمعة حارة، لطالما حبستها خلف قضبان الكبرياء. وبين يديها، تلملم أوراقا مبعثرة، وضعت فيها يوما كل ذكرياتها ونسيتها على رف قديم غطاه غبار النسيان.
​تتذكر لحظة الفراق التي أوجعت قلبها، فتملكتها قشعريرة الألم. ولكنها، وبقوة ولدت من رحم المعاناة، لملمت شتات نفسها ووقفت أمام نافذتها ترقب قطرات المطر وهي تنساب بعنف، يتبعها صوت رعد جعل جسدها يرتعد. لطالما خشيت ذلك الصوت منذ صغرها؛ ولطالما هرعت آنذاك إلى غرفة والديها، تختبئ بين أحضانهما لتشعر بدفء يسري في عروقها وحنان يهدأ من نفسها.
​لكنها الآن كبرت...
​تزوجت وسافرت، واغتربت خلف حدود الحلم، لكن زواجها لم يكلل بالنجاح. حاولت بكل ما أوتيت من قوة، صبرت وتحملت حتى فاض بها الكيل. لم تعد تحتمل قسوته وجبروته، ولم تعد قادرة على ابتكار أعذار واهية لتغطي بها عيوبه.
​لأول مرة منذ خمس سنوات، وقفت في وجهه بكل جرأة لم تعهدها في نفسها، وطلبت الانفصال. كان يعلم في قرارة نفسه أن هذه اللحظة آتية لا محالة؛ فقد خذلها مرارا، وكسر قلبها بخياناته المتكررة. كان يعلم أنها تحبه، ومع ذلك، كان يتلذذ بإيذاء مشاعرها الرقيقة.
​تجمد في مكانه، وحاول أن يثنيها عن قرارها، إلا أنها كانت حازمة كالسيف هذه المرة؛ فقد أدركت أنها لو تراجعت الآن، لخسرت نفسها إلى الأبد. تنازلت عن كل شيء، وحمدت الله بقلب مؤمن أنها لم ترزق منه بطفل يربطها بهذا الوجع. حملت حقيبتها، وغادرت بهدوء يسبق العاصفة، وقدمت دعوى طلاق حتى نالت حريتها.
​لم يكن الأمر سهلا... لكن فراقه كان أرحم لقلبها من البقاء تحت ظله البارد.
افاقت من شرودها ​عندما توقف المطر فجأة 
​أخذت نفسا عميقا وكأن الروح قد ردت إليها من جديد. تنفست الصعداء وحدثت نفسها: "خمس سنوات من الغربة تكفي". لم تتردد؛ بحثت عن تذكرة سفر (ذهاب دون عودة)، وكأن رائحة الوطن بدأت تعبق في أنفاسها منذ تلك اللحظة، وكأن حنان والديها بدأ يثلج صدرها قبل اللقاء.
​أنهت كل شيء، وخلال أسبوع واحد كانت تحلق عاليا في السماء، عائدة إلى أرض الوطن. تحمل في قلبها ذكريات مؤلمة، نعم، لكنها تركتها خلفها هناك.. على نفس ذاك الرف القديم، لتطوي صفحة الألم من ذاكرتها، وتبدأ من جديد، بقلب استعاد ثقته وبات  مستعدا ليفتح أبوابه لحب حقيقي يستحقه
​وعندما لامست عجلات الطائرة أرض المطار، شعرت وكأن قلبها هو الذي يهبط بسلام فوق تراب يفهم أنينها. لم تكن الحقيبة التي تجرها خلفها ثقيلة، فقد تركت الأثقال كلها هناك.. فوق الرف القديم.
​وما إن فتحت البوابات، حتى أبصرتهما.. والدها الذي اشتعل رأسه شيبا وقلقا، ووالدتها التي كانت عيناها تجوبان الوجوه بلهفة لا يتقنها إلا قلب الأم.
​لم تحتج إلى كلمات. رمت حقيبتها، وارتمت في أحضانهما، هناك حيث الأمان الذي لا يزول، والدفء الذي لا يبرد. استنشقت رائحة والدها، فغسلت بقايا رائحة الغربة من رئتيها، وشعرت بيد والدتها تمسح على رأسها كما كانت تفعل وهي طفلة عندنا  تخاف الرعد.
​همس والدها في أذنها بكلمات قليلة كانت هي كل ما تحتاجه لتولد من جديد:
"لقد عدت يا ابنتي.. والآن فقط، عاد إلينا البيت".
​في تلك اللحظة، أدركت أن كل ما مرت به كان مجرد طريق طويل ومتعرج، لتعرف القيمة الحقيقية للسكينة. سارت بينهما، وقد تركت خلفها امرأة مكسورة، لتمشي بخطى ثابتة نحو غد يخصها هي وحدها، 
غد لا مكان فيه للقسوة، بل للحب الذي يرمم ولا يهدم

نبضي وقلمي
ميسر شقير
فلسطين 🇵🇸

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

قلب من حجر. بقلم الاديبة. د. هاجر علي