طرقات الحياة، بقلم الاديبة: د. ميسر شقير

طرقات الحياة…

بين طرقات الحياة وضجيجها، وبين أزقة الشوارع الضيقة، وهناك في تلك الحديقة الصغيرة، عند ذلك المقعد المتهالك الذي أخذ من ملامح الزمن نصيباً، جلستُ أرقبُ وجوه الناس الذين يمرون من أمامي كشريطٍ من الذكريات والحكايات. كأنني في تلك اللحظة أملكُ بصيرةً تخترقُ الصدور، فأقرأُ في عيونهم ما تخفيه الألسن وتهمسُ به الأرواح.
فهناك قلوبٌ تتألم في محراب الصمت ولا تتكلم، سمعتُ في أعماقها انينا  مكتوماً تخنقه الكبرياء، لكنها آثرت أن تودع شكواها عند خالقها وحده، لسان حالها يفيض يقيناً: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}. وعلى النقيض، رأيتُ من أغرته الدنيا  الفانية فآثر الحياة الدنيا على الآخرة، وقرأتُ في لهثه تعباً لا ينتهي، وظمأً لسرابٍ يظنه ماءً وهو لا شيء. ووجوهٌ أخرى خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تلمستُ في تردد خطوتهم حيرة الأرواح المعذبة بين نداء الروح وشهوات النفس  تقع تارة وتنهض بالتوبة تارة أخرى. وهناك من أشرق في قلبه اليقين، ورأيتُ في سكون ملامحهم ربيعاً لا تذبل زهوره، إذ أدركوا أن سعادتهم الحقيقية لا تكمن إلا في رضا الله، فاغتنموها وجعلوها كنزهم الأبدي.
أدركتُ حينها أن الألم الحقيقي لا يولد إلا من رحم المعاناة ليُهدينا الصبر، وأن لا يأس يسكن روحاً تؤمن بأن الله معها. فرغم صراعات الحياة المستمرة، يبقى الإيمان راسخاً بأن الحق دائماً سينتصر، وأن شمس الصباح لا بد لها أن تشرق. وعندما تطلعتُ إلى تلك الزهرة الصغيرة التي شقت الصخر، تعلمتُ أنه لا وجود للمستحيل. وعندما لمحتُ ابتسامة طفل يطارد فراشة، أدركتُ أن السعادة تسكن في أبسط الأشياء.
لملمتُ أوراقي التي بعثرتها، وقبل أن أغادر، قمتُ بتوقيع اسمي على طرف ذلك المقعد الذي شهد حكايات كثيرة؛ أردتُ أن تكون لي ذكرى معه، فنحن في النهاية مجرد عابرين، ومهما توقفنا عند محطاتها، لا بد لنا في الختام أن نعود إلى أماكننا.

بقلمي: ميسر شقير
فلسطين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

قلب من حجر. بقلم الاديبة. د. هاجر علي