صباح فاترٌ: بقلم الاديبة، د. غادة مصطفى
صباحٌ فاترٌ
*********
كانت خيوط الشمس تقتحم جفنيها الناعسين وهي هناك على حافة السرير المجاور للنافذة المطلة على الشارع العريض في حيّ الدرويشية...
قاومت حنين نعاسها وفتحت عينيها ببطء وكأنها لا تريد استقبال نور الصباح و سعت للنهوض بخطوات متثاقلة مترنحة تعبر عن جسد منهك لم ترويه ساعات النوم القليلة...
كانت حنين ممن يكره مفارقة ما يحب..
فهي تحب سريرها وتكره مغادرته في الصباح الباكر، وتحب الراحة في البيت ولكن لاتجدها ومع ذلك تكره الخروج منه لأنها تعتبر أن كلّ مافي الخارج هو شقاء لها..
بعد بضعة دقائق من النهوض من السرير تذكرت حنين أن عليها الكثير من الأشياء يجب أن تفعلها قبل أن تخرج للعمل كما هو المعتاد فأطلقت العنان لساقيها النحيلتين جيئة وذهاباً في أرجاء المنزل لإنجاز ما يترتب عليها وبدأت تتمتم بكلمات متوالية ...
وجع القلب لا دواء له ... لا علاج له .. لا شفاء له..
كانت هذه كلماتها التي خيمت على روحها كستارة الليل،
حاولت حنين أن تُخرج كل ما بداخلها من وجع وضيق بالصراخ وتوجيه اللوم وإظهار التقصير الذي تلاقيه ممن حولها ، و أدركت بلحظة يأسٍ أن تقديم العطاء لا نهاية له ولا حدَّ له،
هذا ما أحست به ... فهي ترى أنه ما من أحد يشعر بها ولا أحد يقدر حجم المعاناة و التعب ، أدركت أنها هي من تضع نفسها بهذا القفص، فقررت أن تعتزل الآخرين وتكمل حياتها منفردة كما هو حال قلبها دائما،
وقالت : يجب أن أبتعد عن الجميع
فالكل يأخذ ولا يعطي وبالنهاية الطريق منفرد،
فماذا أنتظر ....
أشعلت فتيل يأسها وخرجت في الصباح تجرُّ خيبتها وكأنها سفينة تشق عباب البحر وهي تجهل ما أمامها، جابت الشوارع والطرقات بخطا متثاقلة.. الوجع والانكسار أكبر من هذا الكون ...
أكبر من مجرات الفضاء، توقفت حنين عند حافة نهر يمرُّ من وسط المدينة وراحت تتأمل بعض الأغصان الطافية على وجه الماء، وهي تندفع بسرعة مع تيار الماء و تراءت لها ذاتها في تلك الأغصان، وتساءلت هل أنا كهذه الأغصان!!! وهل دفعتني عجلة الحياة التي لا تتوقف دون رحمة، ودون وعي صرخت حنين في الأغصان قائلةً : توقفي .. توفقي ..مابك تسرعين كما أسرع كل صباح ...
فأجابتها سيدة عجور بدت وكأنها تلاحقها في سيرها: دعيها ، لو كانت سعيدة لما انجرفت مع التيار ، إنها متألمة يا ابنتي ؛ لأنها مبتورة عن أمها ، لقد غادرت بعيداً عن أصلها لذلك انجرفت، تذكري يا بنتي أننا هنا لأننا مبتورون وبعيدون عن ملكوتنا الأول، فلا فائدة من انتظار الفرح والسعادة.. ولا فائدة من الإسراع في كل شيء ..
تذكري أن لا أحد يشعر بوجع الآخر، فالكل غارق يحاول النجاة، نحن يا بنتي في الحقيقة لانسعى إلى هدف ولا نستطيع بلوغ الهدف لأننا هنا،
نظرت حنين للعجوز وقالت : يبدو أن هذه الأغصان لا تجيد السباحة أما أنا فأظن أني أجيد السباحة ولعلي لا أنجرف مع التيار ، ضحكت العجوز بشدة حتى بان كلّ سواد أسنانها،
وقالت : أنت واهمة، أمثالك لا نجاة لهم، وإن أردت اقناعي فالحقي بي في هذا النهر و بسرعة رمت العجوز نفسها في الماء، ونادت على حنين بسخرية أين أنت أيتها المعطاءة ؟!
تعالي إلحقي بي ، ألم تقولي بأنك تجيدين السباحة ؟!
أراك تتراجعين إلى الخلف ،
أين سرعتك المعهودة ؟!
شعرت حنين بالغليظ والغضب مما قالته العجوز ، وأقصت تفكيرها بعيداً ....
و أسرعت لتثبت للعجوز بأنها تستطيع السباحة بشكل جيد ويمكنها اللحاق بها ولكن مياه النهر كانت غزيرة و جسدها المتعب لم يقاوم طويلاً
فكادت أن تغرق..
و لكن القدر تدخل لينقذها غصن شجرة أمسك بها وجعلها تنجو.
غادة مصطفى
تعليقات
إرسال تعليق