الريح: بقلم الشاعر، د. سليمان دغش

الريــــــــح/ سليمان دغش
لا أرى الريحَ ولا الريحُ تَراني
لا أرى الريحَ ولولاها يَقينًا فِيَّ ما كنتُ أرى شَيئًا 
وما مِنْ أحَدٍ كانَ يَراني 
أيّ سِرٍّ فيكِ أخفَيتِهِ أو أخفاكِ عَنّا أيها الريحُ؟ 
لكمْ تساءلتُ وحاوَلتُ اكتِشافَ اللغزِ فيما يتَعدّى رؤيَةَ 
الأشياء بالعَينَينِ في استلهامِ ما تُخفي الرؤى، إنّ في الرؤيَةِ بَعضَ الوهمِ حتّى إن تراءى كَيَقينٍ مُطلَقٍ لا لُبسَ فيهِ، 
فادخُلِ الجَوهَرَ واقرأهُ بِعينِ الشَّكِ حتى يَتبَدّى في التَّجلّي طاهِرًا لا ظاهِرًا، إنَّ في الجَوهَرِ رؤيا أوَّلًا، سيّانَ إن بانَ لنا 
فيما نراهُ أو تجَلّى خِلسَةً مثلَ إلهٍ في الرؤى 
لمْ أرَ الريحَ التي ما فارَقَتني لحظَةًً، هل أحَدٌ غيري 
رآها ذاتَ يومٍ بينَ وَيَقينٍ إذ رآني؟  
لا أرى الرّيحَ وما مِنْ حاجِزٍ ما بينَنا، أخطو وحولي 
موكِبٌ مِنها خَفِيٌّ لا بِداياتٌ لَهُ أو مُنتَهى، 
هَلْ تُرى أدركتُ سِرَّ الريحِ في خِفيَتِها أو رُبّما خِفَّتِها 
عارِيَة مِن كلِّ شيءٍ، حرَّة تَقسو إذا شاءَ الهوى في نَبضِها البَحرِيِّ ليلاً ثمَّ تغدو نَسمةً سكرى إذا جاءَ الضُّحى
 ما اختَبَأَتْ يوماً ولا لاذَتْ فرارًا، لا جَناحانِ يطيرانِ بِها ملءَ الفضاءِ اللانِهائِيِّ، وهَلْ عَلّا جناحٌ في العُلا إلّا بِها؟ 
لا شيءَ إلّا حَضَنَتهُ حيثما كانَ أحاطَتْهُ فأحيَتهُ بما فيها، 
وما أدراكَ ما فيها ولولاها لما كُنتُ هنا حيًّا 
ولا وحيًا ولا رؤيَةَ عندي لا ولا حتّى رؤى 
لا أرى الريحَ ولا الريحُ تراني
وتَساءَلتُ وما زِلتُ على دربِ المتاهاتِ كصوفِيٍّ تَحَفّى 
فوقَ آلامِهِ بَحثاً عَنهُ فيهِ، فطريقُ الكَشفِ مرهونٌ 
بقَدح الزَّندِ في ذاتِكَ، تكفي شُعلَةٌ من نورِكَ المَخفِيِّ 
كيْ تُغنيكَ عن هالَةِ أضواءِ المَجَرّاتِ التي تَظهَرُ حيناً
 ثُمَّ حيناً تَختَفي. فانظُرْ إلى المِصباحِ في المِشكاةِ يَهديكَ 
لبابِ السّرِّ فافتَحْهُ على المحرابِ وادخُل حافِيَ الروحِ 
خَفيفاً ولطيفاً كَفَراشاتِ القَناديلِ، إلى خُلوَةِ محرابِكَ سِرّا، سترى كلَّ السّراديبِ استقامتْ واستَضاءَت فيكَ لا 
بالريحِ بلْ بالرّوحِ واحذَرْ كرنفالَ النورِ أنْ يَطغى على
 وَهمِ المَرايا إنَّ في المرآةِ وهماً وخداعاً أبَدِياً، طالما 
غابَتْ عنِ المِرآةِ في الحُلمِ الرؤى 
لا أرى الريحَ ولا الريحُ تراني
ليتَني كُنتُ أراها وَتَراني
إنما المَخفِيُّ أعظَــــمْ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

قلب من حجر. بقلم الاديبة. د. هاجر علي