حين تصمتُ المدن: بقلم الشاعر مصطفى رجب

"  حين تصمتُ المدن  "

إذا أغمضَ الليلُ وجهَ القمرِ،
وغطّى الحنينُ ضلوعَ البشرِ،

سأمشي وحيدًا على دربِ حلمٍ،
يُنادي الغيابَ، وينعى الأثرَ،

وأرمي على الريحِ وجهي القديمَ،
لعلَّ النسيمَ يُعيدُ الصورَ،

فيا صمتُ، كنْ لي وطنًا من ضياءٍ،
فقد ضاقَ صدري من طولِ الانتظارِ،

وأبحرتُ فييَ كبحّارِ خوفٍ،
يعاندُ موجًا، ويخشى الخطرَ،

أُسافرُ فيّي إلى لا مكانٍ،
كأنّي صدىً لنداءِ القدرِ،

تُناديني الطرقاتُ: عُدِ يا ضريرَ،
لكنْ يديّ تُكبِّلُ البَصَرَ،

وفي داخلي طفلُ نورٍ غريبٍ،
يُخبّئُ دمعي وراءَ النظرِ،

تُرى، هل يُعيدُ المساءُ وميضي؟
أم الليلُ أطفأ آخرَ جمرَ؟

إذا ما تعرّى الحنينُ أمامي،
أراهُ جميلاً... كسيفٍ بَتِرَ،

وأسمعُ قلبي يئنُّ ببطءٍ،
كعودٍ وحيدٍ بآخرِ وتر،

وأعرفُ أنّي غريبُ الدروبِ،
وأنّي وُلدتُ لأقصى السفر،

فيا ليلُ، لا تتركني طويلاً،
فقد أنهكتني رياحُ الفكرِ،

رأيتُ المدى في عيونيَ وهمًا،
وفي الوهمِ ضيعتُ كلَّ الأثر،

أُعلّقُ أيّاميَ فوقَ السحابِ،
وأرجو مطرًّا... ولا من مطرٍ،

وأكتبُ وجهي على لوحِ صبرٍ،
فينكسرُ الحرفُ قبلَ الخبر،

وأغفو على ضفّةٍ من غيابٍ،
تغنّي الرياحُ هناكَ، اعتذرْ،

فكم من صباحٍ رحلتُ إليهِ،
ولم يرجع الحلمُ رغمَ السهر،

أخبّئُ فييَ احتراقَ الفصولِ،
وأكتمُ أنفاسيَ كي لا أُجرَّ،

فإن متُّ، فامنحْ غيابيَ وردًا،
وقلْ: نامَ وجهٌ على المستعر.
________________________

قلمي: مصطفى رجب
 مصر — القاهرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

قلب من حجر. بقلم الاديبة. د. هاجر علي