أغنية الخريف: بقلم الشاعر مصطفى رجب

" أغنية الخريف "

تَغفو الرُّبى في ثَوْبِهَا المُتَلَهِّبِ  
والضُّحى يَجْرِي عَلى وَتَرٍ مُطَرِّبِ  

هَبَّ الخَريفُ يُنَاجِي الأَغْصَانَ في  
صَوْتٍ يُشَابِهُ نَفْسَ مُرْهَفَةِ الطَّرَبِ  

تَتَسَاقَطُ الأَوْرَاقُ فَوقَ تُرَابِهَا  
كَالوَحْيِ يَكْتُبُ سِفْرَهُ بِيَدِ السُّحُبِ  

وَالأُفْقُ مُتَّشِحٌ بِأَلْوَانِ الضِّيَا  
مَا بَيْنَ أَحْمَرَ نَازِفٍ وَمُذَهَّبِ  

تَغْفُو الغُصُونُ وَفِي كُمُومِ نُحُولِهَا  
نَفَسُ الوَدَاعِ يُصَافِحُ الزَّهْرَ المُتْعَبِ  

وَتَرَى الشَّمْسَ كَأَنَّهَا عَيْنٌ بَكَتْ  
دَمْعَ الأَصَائِلِ فَوْقَ أَعْوَادِ الخَشَبِ  

وَالرِّيحُ تَحْمِلُ أُغْنِيَاتِ غُرُوبِهَا  
لِلشَّجَرِ يُصْغِي مُنْحَنِيَ الظِّلِّ المُنْسَكِبِ  

وَالأَرْضُ تَفْتَحُ صَفْحَةً مِنْ وَرْقِهَا  
لِتُرِي الحَيَاةَ حِكَايَةَ اللَّوْنِ المُعَجَبِ  

قَدْ قَالَ قَائِلُهَا: الخَرِيفُ مُوَدِّعٌ  
وَلَكِنَّهُ فِي الوَدَاعِ مُتَحَجِّبِ  

مَا زَالَ يُطْفِئُ فِي العُيُونِ حَنِينَهُ  
مَا بَيْنَ دَفْءِ الحُبِّ وَالبَرْدِ المُضْطَرِبِ  

كَالمُسْتَغِيثِ يُنَادِيَ اللَّحْظَاتِ قَائِلًا  
عُودِي لِنَرْقُصَ فَوقَ أَطْيَافِ الحُقُبِ  

لَوْ كَانَ يَدْرِي أَنَّ بُعْدَهُ نَفْسُنَا  
لَسَكَبْنَا لَهُ الوَرَقَ المُذَهَّبَ كَالذَّهَبِ  

يَا مَوْعِدَ الأَحْلَامِ يَا فَصْلَ الهَوَى  
كَمْ مِنْ جَمِيلٍ فيكَ يَبْقَى وَيَنْسَكِبِ  

أَنْتَ الرَّحِيلُ وَلَكِنَّكَ فِي نَظَرٍ  
مِلْءَ العُيُونِ نَدًى وَمِلْءَ القَلْبِ مُنْتَسِبِ  

في ظِلِّكَ الشُّعَرَاءُ يَصْنَعُ لَحْنَهُمْ  
وَيُرَتِّلُونَ الحُسْنَ فِي نَغْمٍ مُطَرِّبِ  

هَذَا الخَرِيفُ وَإِنْ بَدَا مُتَحَسِّرًا  
فَهُوَ المَلُوكُ عَلَى المَنَاصِبِ وَالرُّتَبِ  

تَجْمَعُنَا الأَلْوَانُ فِيهِ كَأَنَّهَا  
سِحْرٌ يُرَاوِدُنَا بِأَطْيَافِ العَجَبِ  

وَالأُفْقُ يَكْتُبُ قِصَّةً مَغْنُوْنَةً  
فِي كُلِّ عَيْنٍ حُلْمُهُ لَمْ يَذْهَبِ  

مَا أَجْمَلَ الأَشْجَارَ تَرْقُصُ صَامِتًا  
وَتُجَادِلُ الرِّيحَ الخَفِيفَ بِلا تَعَبِ  

وَالأَرْضُ مِثْلُ بَسَاطِ عُرْسٍ مُذْهَبٍ  
مُدَّتْ عَلَيْهَا الزَّهْرُ مِنْ كَفِّ الغُيُبِ  

إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَن جَمَالٍ فَاقَهُ  
فَانْظُرْ إِلَى الأَلْوَانِ فِي وَجْهِ الغُرُبِ  

يَبْقَى الخَرِيفُ وَإِنْ تَغَيَّرَ مَوْعِدٌ  
صَوْتًا يُنَادِينَا وَحُلْمًا لَمْ يَغِبِ. 
______________________

 قلمي: مصطفى رجب  
 مصر — القاهرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

قلب من حجر. بقلم الاديبة. د. هاجر علي