حديث مع القمر. بقلم الشاعر. مصطفى رجب

" حديث مع القمر "

جلستُ أُحادِثُ قمراً في السَّحرْ
بوجهٍ تلألأَ كسرٍّ انبَثَرْ

فقلتُ: أما تَملُّ السُّكونْ؟
أما تشتَهي رَكبَ ريحٍ وسَفَرْ؟

أما ضِقتَ من بَردِ ليلٍ طِوالٍ
تُراقِبُ فيهِ دموعَ البَشَرْ؟

أما سَئِمتَ وُجوهَ الغُيومِ
تُغشّيكَ حَيناً، وتُبدي القَمَرْ؟

أما تَعبتَ من صَمتِ وادٍ
يُنادِيكَ فيهِ صَدىً مُنكسِرْ؟

فأومَأَ بالنورِ: "هذا هَوايَ
أنا عَبدُ صَمتٍ، و سيِّدُ صَبرْ."

"أنا مَن يَجودُ بضَوءٍ بَهيٍّ
إذا أَرهَقَ النَّاسَ ثِقلُ الخَطَرْ."

"أنا من أُرَتِّلُ لحنَ السُّكونِ
فَيَسكُنُ قلبُ الحَزينِ المُعَذَّرْ."

"أنا من أُصادِقُ نَجمَ السَّماءِ
و أَنثُرُ في لَيلِها ما ادَّخَرْ."

"أنا مرآةُ أرواحِكُم
أُصوِّرُها حِينَ تَخفى الصُّوَرْ."

فقلتُ: وكيفَ صَبَرتَ الدُّهورَ
وحَملتَ عَلى كاهِلَيكَ العُصُرْ؟

فقالَ: "اصطَبَرتُ كَما يَصطَبِرُ
حَكيمٌ إذا واجَهَ المُنكرْ."

"أنا مِن نَدى الصَّمتِ صُغتُ ثِيابي
وَمن حُسنِ تِلكَ الطُّلوعِ الوَفرْ."

"ولو أنَّني خِفتُ صَوتَ الغُروبِ
لَما أبصَرَتني عُيونُ البَشَرْ."

"فكُن مثلَ ضَوءي، بَسيطاً عَظيماً
تُعانِقُ في حُبِّكَ الأرضَ كُلَّ البَشَرْ."

"ولا تَتَطلَّبْ سِوى أن تَضيءَ
فمَن عاشَ للنّاسِ لا يَفتَقِرْ."

فبَكَّرتُ أُقسِمُ أني سَأَمضي
على دربِ نورٍ بغيرِ غَجَرْ.
_____________________

قلمي: مصطفى رجب
 مصر — القاهرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يغيب الصمت: بقلم الشاعر مصطفى رجب

أنين الجذور: بقلم الشاعر مصطفى رجب

قلب من حجر. بقلم الاديبة. د. هاجر علي