وجعُ الظنون. بقلم الشاعر مصطفى رجب
( وجعُ الظنون )
لا تحزننَّ على دهرٍ غدَا ندمَا
فالناسُ تبدو، وفيهم خبثُ من كتمَا
كم من صديقٍ عهدناهُ على ثقةٍ
خانَ العهودَ، ولم يخشَ الذي حكمَا
نبكي على الناسِ لا نبكي على زمنٍ
فالدهرُ يمضي، ومن نخشى هو الألَمَا
قد كنتُ أحسبُهم أهل الوفاءِ، فما
كانوا سوى غدرهم طبعًا وقد رسما
وجوهُهم ضاحكاتٌ حين تسألهم
لكنْ قلوبُهمُ تغلي كما الحمَمَا
فلا تثقْ بأخٍ إن لم تجرّبْهُ
فالطينُ يشبه في وجهِ الدجى الدرَمَا
أعطيتُ قلبي لمن ظننتُهُ قمري
فاستوحشَ الليلُ من خذلانِه القِيمَا
هل كان صدقُ المحبّين افتراءَ دُمى
أم كان حبُّهمُ تمثيلَ من سَحِمَا؟
كأنني في مَدى الإخلاصِ أزرعُهُ
لكنْ زرعتُ، فما أثمرْتُ إلا عَمَى
بعضُ الورودِ إذا أزهى جمالُهُا
فيها الشّوكُ الذي قد سامنا السّقَمَا
وكم جُرحتُ بأيدي من ظننْتُ بهم
خيرَ الرفاقِ، فأمسى الظنُّ متَّهَمَا
ما كلُّ من ضحكَتْ عيناكَ تلقاهُ
يبقيك صادقَهُ إن هبّتِ النِّقَمَا
قد يخدعُ الوجهُ لكنْ لا تُسلْ فطنًا
عن قلبِ من قد جرى بالحقدِ واحتدمَا
كم من حبيبٍ إذا ناديتَهُ اختفى
وإن أتيتَ لهُ، بالسيفِ قد خَتَمَا
والدهرُ دربٌ، به الأحبابُ تنكشفُ
لا يثبتُ الحبُّ إن جفَّتْ بهِ القِيَمَا
فامضِ وحيدًا ولا تبكِ الذي رحلُوا
فالصدقُ يبقى، وإن خانوا وإن عَدَمَا.
__________________________
بقلمي: مصطفى رجب
مصر- القاهرة
تعليقات
إرسال تعليق