الرماد والحبر. بقلم الشاعر. د. محمد بسام العمري
الرماد والحبر
في زوايا الذاكرة المتعبة، تتراقص حروف على أطراف النسيان، أحمل في يدي رماد الكلمات، وأخطّ بها على جدران الصمت، كأنني أبحث عن تلك الأنفاس التي تاهت في دهاليز العمر، عن وجهٍ كان يضيء العتمة كلما تكسّر الضوء. وأنا أمضي على خطى الرماد، أجمع من بقايا الحلم حروفًا، ومن شظايا الروح قصائد، كأنني أكتبكِ من جديد، لا بحبرٍ يزول، بل بوهجٍ لا ينطفئ.
لم أعد أكتب بالحبر...
أكتبكِ بالرماد.
كل دمعة تحترق على أعتاب شعركِ،
وكل حرفٍ يُبعث من رمادي، لا من لغتي.
رسمتكِ على وجه الماء،
كأنني أختبر فكرة المستحيل،
أطارد اللحظة قبل أن تفرّ،
وكلما قادني النبض إلى صدركِ،
أيقنت أنني لا أكتبكِ، بل أبحث عن نفسي فيكِ.
أغسل قلبي بأسمائكِ،
وأحرق دموعي على ضفائر الغياب،
كل سطر فيكِ
مكتوبٌ على لهب،
كل رسمة… موجة ماء،
تفرُّ قبل أن تنطق.
اللحظة لا تثبت،
لكنني أركض خلفها
بنبضٍ لا يكلّ،
وفي كلّ نبضة…
صوتكِ يناديني
من ضفّة الرماد.
كتبتكِ… حين تلاشى اسمي.
وغسلت القلب باسمكِ، حين ضاق الوجود بالمعاني.
رمادكِ في دمي،
وماؤكِ في روحي.
فإن فرت اللحظة،
قادتني إلى صدركِ كأنها صلاة.
العاشق لا يكتب محبوبه،
بل يُمحى فيه…
ليُبعث في الحرف نورًا.
يا لَحكمة الرماد حين ينطق، يخبرني أن الحريق ليس نهاية، وأن الكتابة ليست حبرًا، بل احتراقٌ يتجدد. أكتبكِ كما يكتب الغيم مطره، كما ينبت الحزن في عروق الليل، وكما ينادي النور على بقايا العتمة.
فيكِ تتحول الجراح إلى نجوم، والحنين إلى جسرٍ بيني وبين اللازمن. وأنا أمضي، أكتبكِ بالرماد، أكتبكِ بالحبر، أكتبكِ بالنور، لأنكِ حكايةٌ لا تنتهي، وصفحةٌ لا تُطوى.
الجزائر / محمد بسام العمري
تعليقات
إرسال تعليق