وفاء لا يشترى، بقلم الشاعر مصطفى رجب

فصة قصيرة بعنوان 

 “وفاء لا يُشترى”

في أحد الأسواق، كان شابٌ فقير يعمل حمّالاً يحمل البضائع للناس مقابل دريهمات قليلة، وكان دائمًا يبتسم رغم الفقر الذي ينهش قلبه.
وذات يوم، بينما كان جالسًا يستريح، رأى طفلاً صغيرًا يتعثر بحمل سلة من الخبز، فأسرع إليه وحمله حتى باب بيته.

شكرته الأم  وأعطته رغيف خبز. قبّله الشاب ووضعه في كيسه، وقال:
“هذا الخبز فيه بركة.. لن آكله وحدي”.

ومضت الأيام، وحدث أن مرّ تاجر غني بعربة فاخرة، ورأى الشاب يعرق من التعب، فسأله:
“هل تعمل؟”
قال الشاب: “ما دمت حيًا، فلن أترك العرق يجف من جبيني”.

أعجب التاجر بكلامه، فعرض عليه العمل في متجره، وقبِل الشاب. خلال شهور، أثبت نفسه بإخلاصه، وصار ذراعه اليمنى.

كبر التاجر، ومرض، وقال للشاب:
“لا ولد لي، وأنت كنت لي كولد، أكتب كل ما أملك باسمك، لكن لي وصية: لا تنس الخبز والملح”.

مرت السنوات، وأصبح الشاب من كبار التجار، يملك القصور والخدم، لكنه كان يُطعم كل فقير يمر ببابه، وكان يحتفظ في صندوق صغير بنصف رغيف يابس.

وذات مساء، جاءت امرأة مسنّة بثوب ممزق ومعها ابنها شاب ضعيف  تطلب العمل، فلم يتردد في قبولها.
مرت الأيام، وأحبهما، وكان يعامل الشاب  كأنه ابنه، والمرأة كأنها أمّه. وحين مرضت، كشف له القدر:
هي ذاتها المرأة التي أعطته أول رغيف خبز، والشاب  كان ذلك الصبي الذي عجز عن حمل السلة.

بكى التاجر، وفتح صندوقه وأخرج نصف الرغيف وقال:
“هذا الخبز حفظني، وهذا المعروف ردّ نفسه..”

ثم كتب جزءًا من ثروته باسم الشاب، وقال له:
“علّمه أن الوفاء لا يُشترى..”

---

الحكمة:
من يزرع المعروف، لا يُداس زرعه، وإن طال الزمان، فإنّ الله لا ينسى من أطعم جائعًا أو مسح دمعًا أو حمل همًا عن قلبٍ مكسور.
______________________

بقلمي: مصطفى رجب
 مصر- القاهرة

تعليقات