عزف الظلال على أوتار الريح. بقلم الشاعر مصطفى رجب

قصة قصيرة:

(عزفُ الظلال على أوتارِ الريح)

في حضنِ جبلٍ ناءٍ، حيث تسكن الغيومُ قممه، وتتدلّى من جنباته حكاياتُ العابرين، عاش فتى يُدعى ناظم.
لم يكن شاعرًا كما يُعرَف الشعراء،
بل كان قلبًا نابضًا بالكلمات،
وروحًا تتنفس اللغة كما يتنفس الطيرُ الفضاء.

لم يكن أحدٌ يفهمه.
كان يكتب على الصخور، يهمس للأشجار، ويُطيل التأمّل في وجه الماء، كأنما يرى فيه ملامحَ قصيدةٍ لم تولد بعد.
في قريته، عُدّ غريبًا؛
بلغةٍ لا تشبه لغاتهم،
وعينين لا تريان ما يرونه.

كل مساء، كان يصعد إلى أعالي الجبل، يعزف على نايٍ صنعه من غصن شجرةٍ يابسة؛ عزفًا لا يُسمَع، بل يُحَس.
وكانت الريح وحدها من ترقص على نغماته، تُداعب جفنيه، وتربّت على كتفيه، كما لو كانت أمّه التي لم يعرفها.

وذات ليلة، اشتدّت الريح، وارتجف الجبل.
ظنّ الناس أنها عاصفة،
لكن ناظمَ عرف أنها ساعة الولادة،
وأن القصيدة الكبرى توشك أن تُولَد.

صعد، حافيًا، عاريَ القلب،
لا يحمل شيئًا سوى الناي،
والنار المتقدة في صدره.

عند القمة، بدأ يعزف.
لم يكن لحنًا، بل اعترافًا طويلًا:
أن الحياة لا تُعاش إلا بالكلمات،
وأن الجراح لا تُشفى إلا بالشِّعر.

فجأة، انفجرت السماء نورًا،
كما لو أن العالم كلّه أنصت له أخيرًا.

وفي الصباح، لم يجدوه.
اختفى ناظم، ولم يبقَ منه سوى نايٍ عالقٍ على غصن،
وقصيدة محفورة على الصخر، تقول:

"من لا تسعه الأرض، تسعه القصيدة.
ومن لا يُفهَم، يكتب ليبقى."

وهكذا، ظلّ ناظم حاضرًا،
لا بجسده، بل بكل نفسِ ريحٍ تعزف على أوتار الجبل.

بقلمي: مصطفى رجب
مصر – القاهرة
11/5/2025

تعليقات