أسرار السماء المنحنية. بقلم الاديب د. محمد بسام العمري
أسرار السماء المنحنية
عندما يقترب المساء من شرفة الوداع، تميل السماء قليلاً نحو الأرض، كأنها تهمس بأسرارها إلى العابرين تحت ظل الأفق المتوهّج. كانت الرياح تعزف لحنًا حزينًا، يمرّ عبر أشجار الصفصاف المائلة نحو النهر، وكأنها تشارك الكون في رقصة وداع سرمدية.
في تلك اللحظة الفاصلة بين النور والعتمة، شعرت "ليلى" أن السماء تتحدث إليها، أن الهمس الذي يتردد في قلب الريح يحمل حروفًا منسية، قصائد لم تُكتب، ورسائل لم تصل بعد. وقفت تحت شجرة زيتون عجوز، ورفعت عينيها نحو السماء المائلة، كانت النجوم تتناثر كما لو أنها أسرار انسكبت من حكايات لم يروها أحد.
خطت نحو البحيرة القريبة، كانت المياه ساكنة كمرآة أبدية، تعكس ظلال السماء الملتوية. جلست على حافتها، ولامست بيديها سطح الماء البارد، فتكونت دوائر صغيرة، كأنها نوافذ مفتوحة على عوالم موازية.
في انعكاس القمر على سطح البحيرة، رأت وجهًا غريبًا، لم يكن وجهها، كان لرجلٍ بعينين عميقتين كالبحر، ينظر إليها من خلف الزمان. همست بصوت خافت:
— "من أنت؟"
ترددت الأمواج برهة، ثم عادت إلى السكون، وكأن السؤال عبر بين الأبعاد ليصل إليه. بعد لحظات، خرج صوت كأنه قادم من عمق البحيرة:
— "أنا من كتبتكِ في قصيدة لم تكتمل... أنا الحلم الذي عبر دون أن يستأذن زمنه."
ارتعشت ليلى، لم تفهم إن كان هذا الصوت حقيقيًا أم أن خيالها المترامي على أطراف المساء قد صنعه، لكنها شعرت بطمأنينة غريبة تسري في عروقها، وكأن الكلمات تحلّت بملمس الندى في صباح ربيعي.
نظرت إلى السماء مجددًا، كانت النجوم أكثر قربًا، أكثر وميضًا، وكأنها ترسل إشارات سرية، تهمس باسمها بلغة لا تُفهم، لكنها تُحس.
— "هل تسمعينني؟" جاء الصوت من جديد، عذبًا كأغنية ضائعة في الريح.
— "أسمعك..." ردّت وهي تغمض عينيها، وكأنها تريد أن تحفظ الصوت في قلبها، في أعمق مكان لا يصل إليه النسيان.
صمتت السماء، عادت إلى استقامتها، لكن البحيرة ظلّت تتراقص دوائرها بهدوء، كأنها تحفظ سرّ اللقاء بين الزمانين.
في اليوم التالي، وجدوا ليلى جالسة عند البحيرة، عيناها مفتوحتان على آخر نظرة نحو السماء، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة، كأنها رأت ما لم يره أحد، وسمعت ما لم يسمعه سواها.
ومنذ ذلك اليوم، حين يميل المساء، ويقترب الغروب من شرفة الوداع، يقال إن البحيرة ما زالت تعكس ظلال الأرواح الهائمة، تهمس بأسرارها في الريح، وتغني قصائد لم تُكتب بعد.
الجزائر / محمد بسام العمري
تعليقات
إرسال تعليق